تقنية وإدارية
كواليس البناء: كيف وظّفتُ الذكاء الاصطناعي في تطوير موقعي الشخصي؟
حين قررتُ إعادة بناء موقعي الشخصي ليكون واجهة واحدة تجمع مسيرتي الاستشارية ومؤلفاتي ومقالاتي وإنتاجي المعرفي، كان أمامي المسار التقليدي المعتاد. غير أن اهتمامي المتواصل بتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مع خلفيتي الأكاديمية والمهنية في نظم المعلومات الإدارية، دفعني إلى تجربة مختلفة: أن يكون الموقع نفسه نموذجًا تطبيقيًا لما أؤمن به من توظيف رشيد ومسؤول لهذه الأدوات.
أكتب هذه المقالة لأوثّق التجربة كما جرت: ما الذي أسهمت فيه الأدوات، وما الذي بقي مسؤوليتي، وما الذي تعلّمته من الأخطاء في الطريق.
البوصلة والدفّة: الذكاء الاصطناعي يسرّع، والإنسان يقود
يشيع أن بناء التطبيقات بالذكاء الاصطناعي عملية تلقائية تختصرها «ضغطة زر»، وقد أكدت لي هذه التجربة خلاف ذلك:
- الذكاء الاصطناعي يمنح قدرة كبيرة على التسريع واقتراح البدائل وتوليد المسودات الأولى.
- لكنه لا يضع الرؤية، ولا يحدد الأولويات، ولا يتحمّل مسؤولية القيم والخصوصية والأمان.
- من دون شخص يعرف ماذا يريد، وكيف تُبنى النظم، ومتى يرفض حلًا غير مناسب، تكون النتيجة منتجًا هشًّا يفتقد الروح والاتساق.
مراحل البناء: كيف سارت الرحلة؟
قسّمتُ العمل إلى أربع مراحل متتابعة ومتداخلة في الوقت نفسه:
- أولًا: التحليل وهندسة المتطلبات. حدّدتُ ما يحتاجه الموقع بدقة: لغتان عربية وإنجليزية، واتجاه كتابة من اليمين إلى اليسار مصمم أصلًا لا مترجمًا، ومكتبة بوسترات مع تنظيم رفع الصور وعرضها وإدارتها، ونظام تزكيات موثوق، ولوحة إدارة للمحتوى والتزكيات والبوسترات.
- ثانيًا: التوجيه والنمذجة. لم يكن الحوار مع الأدوات عشوائيًا؛ بل قام على تعليمات محددة النطاق، تذكر التقنيات المستخدمة، وتشترط معايير الوصول والصلاحيات، وتحدد ما يجب ألا يتغيّر في كل خطوة.
- ثالثًا: الاختبار التكراري وضبط الأداء. مرّ كل تعديل بسلسلة متكررة من الفحوص الآلية والاختبارات اليدوية: سرعة التحميل، والتوافق مع مقاسات الشاشات، وإتاحة الوصول، وصحة الروابط واتجاه اللغة.
- رابعًا: الرقابة البشرية والمراجعة النهائية. خضعت المكونات والتغييرات الرئيسة للمراجعة والاختبار، وراجعتُ النصوص والهوية البصرية بنفسي قبل اعتمادها.
توزيع الأدوار: ما الذي قامت به الأدوات، وما الذي بقي لي؟
استُخدمت في هذه الرحلة أدوات ومنهجيات حديثة للتطوير المعزّز بالذكاء الاصطناعي، من بينها بيئات معروفة في مجال Vibe Coding، عبر مصادرها الرسمية والمعتمدة. وأسهمت هذه الأدوات في تحليل المتطلبات، وتوليد أجزاء من الشفرة، واقتراح البدائل، وتسريع الاختبارات، مع تطبيق ضوابط واضحة للأمن والخصوصية وإدارة الصلاحيات. وفي المقابل، بقي تحديد النطاق، واعتماد القرارات، ومراجعة المحتوى، وتقييم المخرجات النهائية تحت إشرافي المباشر.
وللأمانة المهنية، لا ينبغي تصوير Vibe Coding على أنه «مصباح سحري» يبني منتجًا رقميًا متكاملًا بضغطة زر؛ فهو منهج تطوير بمساندة الذكاء الاصطناعي، لكنه يحتاج إلى فهم المتطلبات وهندسة النظم، وإدارة التغييرات، ومراجعة الشفرة، واختبار الوظائف والأمان وتجربة المستخدم. وهو يختلف اصطلاحيًا عن «البنية التحتية ككود» (Infrastructure as Code – IaC)، التي تختص بأتمتة إنشاء موارد البنية التحتية وإدارتها من خلال ملفات إعداد قابلة للتتبع. وقد تستفيد المنظومة الواحدة من المنهجين، لكنهما ليسا مفهومًا واحدًا.
ماذا تعلّمت من مواطن الإخفاق؟
لم تكن الرحلة خالية من العثرات، وأرى أن ذكرها جزء من الأمانة المهنية:
- بعض المخرجات الأولى كانت صحيحة شكليًا لكنها غير مناسبة وظيفيًا، فاحتاجت إلى إعادة توجيه.
- تعديلات صغيرة سبّبت أحيانًا آثارًا جانبية في أجزاء أخرى من الموقع.
- الروابط واتجاه اللغة والصلاحيات وتجربة الجوال احتاجت فحصًا متكررًا، لا مرة واحدة.
- نجاح البناء البرمجي لا يكفي وحده للحكم على جودة تجربة المستخدم؛ لا بد من التجربة الفعلية كما يراها الزائر.
الخطوط الحمراء: الخصوصية والأمان
في مجال الاستشارات الأسرية والتربوية تبقى الخصوصية خطًا أحمر، لذلك وُضعت قواعد واضحة:
- عزل الاستشارات: لا تُدار الاستشارات المباشرة آليًا داخل الموقع، بل تُوجَّه إلى قنواتها المعتمدة.
- التزكيات: مراجعة بشرية قبل الاعتماد والنشر، مع عدم عرض بيانات التواصل للزوار.
- المسؤولية: الذكاء الاصطناعي أداة تمكين وبناء، وتبقى القرارات المهنية والاستشارية مسؤولية بشرية.
ثلاث وصايا لمن يرغب في توظيف الذكاء الاصطناعي
- افهم الأساسيات قبل أن تفوّض الأداة: كلما كانت معرفتك بهندسة النظم وإدارة المشروعات أعمق، كنت أقدر على توجيه الأدوات نحو حلول متينة.
- لا تقبل المخرجات الأولى كما هي: الأداة تمنحك مسودة جيدة، والمهارة الحقيقية في النقد والتشذيب والتحسين المستمر.
- حافظ على هوية مشروعك ورسالته: لا تدع الأدوات تفرض عليك قالبًا مكررًا، بل طوّعها لتخدم بصمتك ورسالتك.
خاتمة
امتدت رحلة بناء هذا الموقع لأكثر من أربعة أشهر متواصلة، بدأت بالتخطيط والتحليل، ومرّت بالتصميم والتطوير والاختبار والمراجعة، حتى وصلت إلى صورتها الحالية. وأحمد الله تعالى على ما تحقق، وأسأله سبحانه أن يجعل في هذا العمل الخير والنماء والنفع للناس في كل مكان.
ومع ذلك، فالرحلة لم تنتهِ؛ نحن لا نزال عند أولى عتباتها، والمستقبل يحمل فرصًا واسعة للتعلّم والتطوير والنجاح المشترك. أؤمن بأن كل نجاح نافع في العالم يضيف إلينا جميعًا، وأن كل عمل كريم يستحق أن يُبذل في بنائه وإخراجه ما يليق برسالته.
ويسعدني التواصل مع الجميع، واستقبال الملاحظات والأفكار وفرص التحسين المستمر؛ فنحن نعيش في عالم واحد، والعالم يتسع للجميع.
هذه المقالة توثّق تجربة عملية مستمرة، وسيجري تحديثها كلما تطورت بنية الموقع ومنهجية العمل.